الشيخ محمد آصف المحسني

108

صراط الحق في المعارف الإسلامية والأصول الإعتقادية

أقول : وهذا هو القول الأول بعينه ، فقد اعترف بالحق من حيث لا يشعر « الحق ينطق منصفاً وعنيداً » ، ولذا لم يرتضه الجرجاني ، فقال في شرحه : والظاهر أنّهم فهموا من التغاير الانفكاك من الحانبين ، فأقدموا على ما قالوا . وأيضاً لمّا أثبتوا صفات موجودة قديمة زائدة على ذاته لزمهم كون القدم صفة لغير الله تعالى ، دفعوه بذلك ! وأيضاً لزمهم أن تلك الصفات مستندة إلى الذات ، أمّا بالاختيار فيلزم التسلسل فيها ، ويلزم أيضاً كون الصفات حادثة . وأمّا بالإيجاب فيلزم كونه تعالى موجباً بالذات ولو في بعض الأشياء ، فتستّروا عن هذا بأنّها إنّما تكون محتاجة مستندة إلى علة إذا كانت مغايرة للذات . انتهى . أقول : إن أرادوا بهذا التستّر الفرار من الحق ومن إفحام أهله إيّاهم فلا بأس به ؛ إذ ربّما يبتلى الشخص بالتقليد ، أو بالبناء على أم تعصّباً ومجازفة ، فيتمجمج في قبال خصومه ليخلص عن الإشكال ، كما فعلوا ذلك في مسألة رؤيته تعالى ، والكلام النفسي ، وغيرهما . وإن أرادوا منه دفع الاعتراضات واقعاً فأنت تعلم أنّ الأمر ليس كذلك ، فإنّ الممكن لا بد له من علة بالضرورة ، سواء كانت موجبة أو مختارة ، ومجرد كونه لا ينفك عن موصوفه لا يخرجه عن الافتقار إلى علة ، كمان لا يخفى ، ولذ صرح جملة منهم أنّها صادرة عنه تعالى بالإيجاب ، فالقول المذكور سفسطة محضة . وأمّا القول الخامس فهو لأبي هاشم الجبائي ، وهو مخترعه ، كما نقله شيخنا المفيد « 1 » والمحقق الطوسي « 2 » - قدس الله أسرارهما - وتبعه جماعة من إخوانه الاعتزاليين . وقيل « 3 » : إنّه مذهب قدماء المعتزلة ، والمشهور بإثباتها البهشمية . أقول : وحيث إنّ الواسطة بين الموجود والمعدوم ضروري البطلان فالقول المذكور لا يحتاج إلى إبطال . وبالجملة : الذي سمّاه حالّاً شيء اعتباري منشأ انتزاعه الصفات القائمة بالذات قيامً ذاتياً كما هو القول الأول ، أو قياماً حلولياً كما هو القول الثاني . وأمّا القول السادس فنقله الحكيم السبزواري « 4 » عن المعتزلة ، ولعله أخذه من الدواني ، فإنّه بعد ما نسب القول الأول إلى الحكماء والمعتزلة قال « 5 » : وأمّا المعتزلة فظاهر كلامهم أنّها

--> ( 1 ) - أوائل المقالات / 18 . ( 2 ) - شرح القواعد العقائد / 53 . ( 3 ) - حاشية شرح المواقف 3 / 37 . ( 4 ) - شرح المنظومة / 156 . ( 5 ) - لاحظ بحار الأنوار 4 / 63 .